أحمد بن علي القلقشندي
53
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
هذا المذهب من قاضي قضاة يقيم مناره ، ويديم أنواره ، ويرفع شعاره ، ويحيي مآثر إمامه وآثاره ، ويؤمن كمال أفقه أن يعاود سراره ( 1 ) ؛ وكان المجلس الساميّ ، القاضويّ ، الفخريّ ، هو الَّذي لا يعدوه الارتياد ، ولا يقف دونه الانتقاء والانقياد ، ولا تتجاوزه الإصابة في الاجتهاد : لما عليه من علم جعله مخطوبا للمناصب ، وعمل تركه مطلوبا للمراتب الَّتي لا تذعن لكلّ طالب ، وتقّى أعاده مرتقيا لكلّ أفق لا يصلح له كلّ شارق ( 2 ) ، وورع فتح له أبواب التّلقّي بالاستدعاء وإن لم تفتح لكلّ طارق ؛ وهو هجر الكرافي تحصيل مذهب « إمام دار الهجرة » إلى أن وصل إلى ما وصل ، وأنفق مدّة عمره في اقتناء فوائده إلى أن حصل من الثّروة بها على ما حصل ، فسارت فتاويه في الآفاق ، ونمت بركات فوائده الَّتي أنفقها على الطَّلبة فزكت على الإنفاق - اقتضت آراؤنا الشريفة أن نبّقي فخر هذا المنصب الجليل بفخره ، وأن نخصّ هذا المذهب النبيل بذخره ، وأن نحلَّي جيده بمن نقلنا إلى وشام ( 3 ) الوسام ما كان من حسن شنب العلم مختصّا بثغره . فرسم بالأمر الشريف - لا زال لأحكام الشرع مقيما ، وللنظر الشريف في عموم مصالح الإسلام وخصوصها مديما ، أن يفوّض إليه . . . لما تقدّم من تعيّنه لذلك ، وتبيّن من أنه لحكم الأولوية بهذه الرتبة من مذهب الإمام مالك مالك . فليل هذه الوظيفة حاكما بما أراه اللَّه من مذهبه ، مراعيا في مباشرتها حقّ اللَّه في الحكم بين عباده وحقّ منصبه ، مجتهدا فيما تبرأ به الذمة من الوقوف مع حكم اللَّه في حالتي رضاه وغضبه ، واقفا في صفة القضاء على ما نصّ فيه من شروطه وأوضح من قواعده وشرح من أدبه ، ممضيا حقوق رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فيما
--> ( 1 ) سرار الشهر : آخر ليلة فيه . ( 2 ) الشارق : الشمس ، والجانب الشرقي . ( 3 ) جمع وشم .